النووي

211

شرح صحيح مسلم

عليه وسلم وكبار أصحابه رضي الله عنهم من التقلل من الدنيا وما ابتلوا به من الجوع وضيق العيش في أوقات وقد زعم بعض الناس أن هذا كان قبل فتح الفتوح والقرى عليهم وهذا زعم باطل فان راوي الحديث أبو هريرة ومعلوم أنه أسلم بعد فتح خيبر فان قيل لا يلزم من كونه رواه أن يكون أدرك القضية فلعله سمعها من النبي صلى الله عليه وسلم أو غيره فالجواب أن هذا خلاف الظاهر ولا ضرورة إليه بل الصواب خلافه وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يزل يتقلب في اليسار والقلة حتى توفى صلى الله عليه وسلم فتارة يوسر وتارة ينفد ما عنده كما ثبت في الصحيح عن أبي هريرة خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير وعن عائشة ما شبع آل محمد صلى الله عليه وسلم منذ قدم المدينة من طعام ثلاث ليال تباعا حتى قبض وتوفى صلى الله عليه وسلم وذرعه مرهونة على شعير استدانه لأهله وغير ذلك مما هو معروف فكان النبي صلى الله عليه وسلم في وقت يوسر ثم بعد قليل ينفد ما عنده لاخراجه في طاعة الله من وجوه البر وإيثار المحتاجين وضيافة الطارقين وتجهيز السرايا وغير ذلك وهكذا كان خلق صاحبيه رضي الله عنهما بل أكثر أصحابه وكان أهل اليسار من المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم مع برهم له صلى الله عليه وسلم وإكرامهم إياه واتحافه بالطرف وغيرهما ربما لم يعرفوا حاجته في بعض الأحيان لكونهم لا يعرفون فراغ ما كان عنده من القوت بإيثاره به ومن علم ذلك منهم ربما كان ضيق الحال في ذلك الوقت كما جرى لصاحبيه ولا يعلم أحد من الصحابة علم حاجة النبي صلى الله عليه وسلم وهو متمكن من إزالتها الا بادر إلى إزالتها لكن كان صلى الله عليه وسلم يكتمها عنهم إيثارا لتحمل المشاق وحملا عنهم وقد بادر أبو طلحة حين قال سمعت صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم أعرف فيه الجوع إلى إزالة تلك الحاجة وكذا حديث جابر وسنذكرهما بعد هذا إن شاء الله تعالى وكذا حديث أبي شعيب الأنصاري الذي سبق في الباب قبله أنه عرف في وجهه صلى الله عليه وسلم الجوع فبادر بصنيع الطعام وأشباه هذا كثيرة في الصحيح مشهورة وكذلك كانوا يؤثرون بعضهم بعضا ولا يعلم أحد منهم ضرورة صاحبه الا سعى في إزالتها وقد وصفهم الله سبحانه بذلك فقال تعالى على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة تعالى